"المؤسسه العلميه كمفهوم فلسفي (و تطبيقه علي التاريخ السوسيولوجي لعلم الفلك العربي في القرنين الرابع والخامس الهجريين)"

عبده نصوح القادري عين شمس البنات الفلسفية الدكتوراه 2004

  "إنّ التوجه العام الذي صاغ موضوع هذه الرسالة هو تنامي البعد السوسيولوجي في دراسة العملية التاريخية التي تطور خلالها أي علم من العلوم. ومن ثم فإن هذه الرسالة حاولت أن تصوغ موضوعها و إشكاليتها في ضوء هذا التوجه العام,كاشفة بذلك عن أشكال التحليل الاجتماعي لتطور علم الفلك العربي في فترة القرنين الرابع و الخامس الهجريين/العاشر و الحادي عشر الميلاديين,و موضحة القيم والمعايير التي أثرت في سيرورة و تقدم علم الفلك العربي في الفترة الزمنية السابقة.

وإن تنامي الوعي التاريخي بالظاهرة العلمية هو نتاج التطورات الحاصلة في فلسفة العلم المعاصرة,و المتمثلة عند كل من (كارل بوبر) و (توماس كون).وقد لعبت هذه التطورات دوراً كبيراً في تأسيس النظرة الخارجية والتاريخية إلى العلم,و أيضاً في ترسيخ أنماطٍ اجتماعية لتفسير التقدم العلمي و تطوره عبر التاريخ.

وقد أشرت في البدء(الفصل الأول) إلى عناصر التحليل السوسيولوجي للمؤسسة العلمية,و التي تُشكل بمجموعها قِوام النموذج السوسيولوجي لفهم الظاهرة العلمية,على اعتبار أن المؤسسة العلمية هي الوحدة الأساسية في تفسير التقدم العلمي.و قد أضحى النموذج السوسيولوجي المعاصر ,في فهمه و تفسيره للمؤسسة العلمية,شكلاً من أشكال التحليل الاجتماعي للظاهرة العلمية,و محدداً أساسياً لأنماط المؤسسات العلمية التي تكشف بدورها عن سيرورة العلم و تقدمه عبر التاريخ.

وعالجت الرسالة نموذجين أساسيين من نماذج تحليل المؤسسة العلمية ودورها في التقدم العلمي,و هما:نموذج روبرت مرتون و نموذج توماس كون.وأوضحت الرسالة أن نموذج مرتون قد أرسى دعائم التحليل الوظيفي والنظرة المعيارية كنموذج لتحليل المؤسسة العلمية و دورها في التقدم العلمي؛إذ أبرزت هذه النظرة المعيارية دورَ مجتمع العلماء و قيمه و معاييره في التطور العلمي, وتحقيق سبل التقدم,و ذلك عبر توصيف المعايير و القيم ,التي تحكم العلماء ضمن المؤسسات العلمية التي ينتمون إليها,بأنها عالمية وغير متغيرة(ثابتة).و هذه المعايير تُدرَس من قِبل وجهة النظر السوسيولوجية التي تشرح تفرد النظام الاجتماعي للعلم.و من ثم فإن برنامج البحث لدى (روبرت مرتون) قد اهتم في بحث التشكيلات الخارجية لظاهرة العلم,و بأن معايير الجماعة العلمية هي التي تحدد أو تسهم في توجيه النشاط العلمي.أما نموذج (توماس كون) فقد شرح البعد الفلسفي لمفهوم المؤسسة العلمية و القائم على تفسير التغير العلمي؛حيث أقام (كون) فلسفته للعلم و التغير العلمي على علاقة مع النظرة المؤسساتية للعلم.وتتميز نظرية كون بأنها قد أولت الخصائص السوسيولوجية المميزة للجماعات العلمية أهمية خاصة و كبرى,و بأنها هي التي تحدد معايير الحكم على نظرية علمية التي تختلف باختلاف المرحلة التاريخية التي توجد فيها. و من ثم نموذج كون أكد على أن العلم أصبح يمثل مؤسسة قائمة بذاتها وبلغت النضج و الاكتمال.و الرسالة قد تبنت وجهة نظر توماس كون في تصوره للمؤسسة العلمية على أنها بناء قيمي و مفاهيمي تحكمه جملة من المعايير و القيم المتغيرة تبعاً للمرحلة التاريخية التي يوجد فيها العلم,مطبقة ذلك على مؤسسة علم الفلك العربي في القرنين الرابع و الخامس الهجريين/العاشر و الحادي عشر الميلاديين.

ومن خلال التحليل السابق فقد توصل البحث إلى جملة من النتائج الأساسية حول المؤسسة العلمية الفلكية تركزت معظمها في الآتي:

1_كانت المؤسسة العلمية الفلكية العربية يقوم صلبها على التفاعل الجدلي بين نشاط المنجمين أو علم أحكام النجوم و بين علم الهيئة.حيث يُمثل علم أحكام النجوم الجانب اللاعقلاني في نشاط مؤسسة علم الفلك عند العرب,أما علم الهيئة(الجديد) فهو يُمثل الجانب العقلاني لدى علماء الفلك العرب.

2_و قد تتبعت الرسالة الجذور التاريخية لعلم أحكام النجوم و علم الهيئة,وتوصل البحث إلى أن نظرية التنجيم أو أحكام النجوم لها جذور إغريقية في كتاب ""الأربعة"" لبطلميوس,بالإضافة إلى جذور مشرقية:هندية وفارسية(زارادشتية).وعلم الهيئة بدوره له أصول مشرقية في الممارسة العلمية وأصول إغريقية في النظام البطلمي الذي مثل هيكل المؤسسة العلمية الفلكية العربية في القرنين الرابع و الخامس الهجريين.مما يعني أن القسمة لعلوم الأوائل السابقة على التراث الإسلامي و الممهدة لنشأة العقل العربي,إلى عناصر مشرقية لاعقلانية و عناصر إغريقية عقلانية هي قسمة باطلة و جائرة لا أساس لها من الصحة.

3_و الرسالة في تتبعها لأصول و جذور تأثير علوم الأوائل في علم الفلك العربي ,قد ألقت الضوء على حقيقة وضع الممارسة الفلكية في القرنين الرابع والخامس الهجريين/العاشر و الحادي عشر الميلاديين,التي أوضحت الدور الكبير الذي قام به المجسطي في علم الفلك العربي,و كاشفة بنفس الوقت على أن التاريخ أو التشويه الأيديولوجي لتاريخ العلم العربي,و الذي يرى أن العرب هم مجرد نقلة للتراث الإغريقي ليتسلمه ورثته الشرعيون الأوربيون مع نشأة العلم الحديث,لا سند تاريخي لهذا التشويه الأيديولوجي الاستعماري.

وبينت الرسالة ,و بمزيد من التفصيل,كيف أن المؤسسة الفلكية العربية واصلت ميراث الإغريق و خصوصاً المجسطي,و بنفس القدر واصلت ميراث عناصر مشرقية:هندية و ساسانية.و على هذا تكون المؤسسة العلمية الفلكية العربية أكثر من سواها إثباتاً و برهاناً على أن العلم العربي هو ميراث إنساني مشترك اشتركت فيه حضارات مختلفة شرقية و غربية.

4_والمؤسسة الفلكية العربية أثبتت أن علم الفلك العربي ,القائم على التفاعل الجدلي بين علم أحكام النجوم و علم الهيئة,كان يلبي احتياجات نفسية واحتياجات اجتماعية و حضارية فرضتها البيئة الإسلامية مثل:تحديد القبلة(سمت القبلة) و تحديد ومواعيد الصلاة(علم الميقات) و التقويم القمري(رؤية الهلال القمري).و بالتالي كانت المؤسسة العلمية الفلكية العربية شديدة التفاعل مع المجتمع الإسلامي و بنية الحضارة الإسلامية.و في هذا تبين أن العلم العربي إنتاج أصيل للحضارة الإسلامية و ليس شيئاً مترجماً من الميراث الإغريقي.و نتيجة لتفاعل المؤسسة الفلكية العربية مع المجتمع الإسلامي, فقد لوحظ أن المؤسسة الفلكية العربية احتوت على تيارات مؤيدة للتنجيم و تيارات أخرى رافضة للتنجيم مما يدل على تعددية و خصوبة الحضارة الإسلامية والمجتمع الإسلامي.

5_وبتحليل عناصر المؤسسة الفلكية العربية فقد تبين أن علم الفلك العربي لم يقتصر على استيعاب تراث الأوائل المشرقية و الإغريقية على السواء,وحسن تشغيله وتوظيفه,بل تجاوز هذا إلى النظرة النقدية التي عملت على تصويب و تعديل بنية النظرية العلمية المطروحة و هو المسار الذي بلغ الذروة من النضج مع ابن الهيثم ليصل إلى المنعطف التاريخي,بعد تجاوز الإطار الزمني لهذه الرسالة, مع ابن الشاطر الذي يُعد ممهداً حقيقياً للثورة الكوبرنيقية فاتحة العلم الحديث.

6_وإن الرسالة قد تتبعت المرصد الذي يُعتبر التمثيل العيني للمؤسسة العلمية الفلكية العربية.فأوضحت الرسالة على أن أشكال التنظيم المؤسساتي لصور المعرفة (المدرسة) تعكس البنية التنظيمية و المؤسساتية الموجودة في فترة القرنين الرابع والخامس الهجريين.و هذه البنية التنظيمية و المؤسساتية ارتبطت على الدوام بالنموذج العقائدي للعالم الذي حدد,بدوره,طابع بنى كافة أشكال المؤسسات الاجتماعية والثقافية الموجودة في العالم الإسلامي.و المرصد,كأحد أشكال هذه التنظيمات المؤسساتية,يُعتبر مؤسسة علمية قائمة بذاتها,و عنصراً مهماً من عناصر البنية الاجتماعية لعلم الفلك,و الذي ساهم مساهمة فعالة في تقدم و تطور علم الفلك العربي في فترة القرنين الرابع و الخامس الهجريين. والمرصد على الرغم من أنه بلغ حداً كبيراً من النضج و التطور في العالم الإسلامي ,إلا أنه ظلّ مؤسسة مؤقتة.و من ثم فإن المرصد  هو حصيلة حاجات و قيم متداخلة في نسيج المجتمع الإسلامي و ثقافته.

 وقد كشف التحليل الوظيفي للمرصد,كمؤسسة علمية,عن المعالم المؤسساتية و ذلك عبر دراسة العلاقة بين علم الفلك و مجتمع العلماء الذين يُنتجون المعرفة الفلكية.و قد أبرز هذا التحليل الوظيفة التي يؤديها المرصد,كمؤسسة علمية,في إطار السياق الاجتماعي الكلي؛حيث تمثلت هذه الوظيفة في رصد الكواكب و إعداد الجداول الفلكية عن حركاتها.و هذه الوظيفة العلمية الرئيسية للمرصد تُعتبر سمة أساسية في برامج العمل للمراصد الإسلامية عموماً.و بالإضافة إلى ما سبق فإن بعض المقتضيات الشرعية قد فرضت قيام أنشطة فلكية هامة,مما أكسب المرصد وظيفة شرعية في جانب من جوانب أنشطته الرصدية.

إن عناصر التحليل القيمي للمرصد,المؤسسة العلمية, عملت على إبراز نسق القيم و الإجماع القيمي السائد,و الذي كان له الدور الكبير في نمو نظرية الفلك عند علماء الفلك العرب.و قد كشف التحليل القيمي للمرصد عن جملة المعايير التي تشتغل بها الجماعة العلمية داخل المرصد,على اعتبار أن مجتمع العلماء له قيمه الخاصة ومعاييره و قواعده التي تضمن لمجتمع العلماء أن يكتسب المعرفة العلمية و يطورها.و قد تمثلت هذه المعايير لدى أعضاء مجتمع علماء الفلك العرب في:الإطار الجمعي لعمل علماء الفلك,و أهمية الرصد بصورة جماعية,و التأكيد على عنصر الثقة و المصداقية,و من ثم التأكيد على الحاجة إلى الدقة في عمليات الرصد.و هذه المعايير تُعبر عن الإجماع القيمي السائد بين أعضاء علماء الفلك عموماً.و من ثم فإن عناصر الدقة و الإجماع القيمي والإطار الجمعي لعمل علماء الفلك العرب ,كل هذه العناصر السوسيولوجية تُعبر عن سمات خاصة للمرصد كمؤسسة علمية قائمة بذاتها ."


انشء في: ثلاثاء 25 ديسمبر 2012 15:10
Category:
مشاركة عبر