"الاستثمار الخاص الوطني ، محدداته وأهميته النسبية ودعم دوره في هيكل الاستثمار الكلي دراسة تطبيقية علي الاقتصاد المصري ( 1990-2006)"

مروة إبراهيم نصار الماجستير 2009

 

         "علي مدار تاريخ الفكر الأقتصادي ظل ينظر للإستثمار بعين الأهتمام ذلك لأنه دافع هام لعجلة التنمية، ويقصد به في معناه الإقتصادي هو تكوين رأس المال العيني الجديد الذي يتمثل في زيادة الطاقة الإنتاجية، ويتم التمييز بين الاستثمارات الي عدة أنواع ، فقد يكون طبقا لأشكاله (استثمار مباشر- أو غير مباشر) أو - مايهم مجال الدراسة - طبقا لمصدر رأس المال (الاستثمار الوطني(العام-الخاص) والاستثمار الاجنبي)، فإذا كانت المدخرات يتم توجيهها لتكوين رأسمال حقيقي داخل الدولة يكون هذا استثمار وطني ، أما اذا استخدمت المدخرات الوطنية في تكوين رأسمال حقيقي خارج الدولة يكون هذا استثمار أجنبي( ).

وتزخر الأدبيات الاقتصادية بالعديد من النظريات والنماذج التي تعني بتحليل محددات الاستثمار بصفة عامة ومحددات الاستثمار الخاص بصفة خاصة، مثل النظرية النيوكلاسيكية للاستثمار ونماذج المعجل – الدخل ونظرية الأرباح المتوقعة ونظرية Tobin  عن المعامل الحدي ""Q"". ومن هذه النظريات والنماذج نجد أن هناك مجموعة من العوامل و المحددات الاقتصادية الكلية التي تمارس تأثيراً مباشراً علي قرارات الاستثمار الخاص في حالة الدول النامية، ويمكن إجمال أهم هذة العوامل فيما يأتي :

   

1- السياسة المالية :

حققت مجموعة البلاد النامية قدرا لا بأس به من النمو الاقتصادي خلال ما بعد الحرب العالمية الثانية وهي الفترة التي ازدهر فيها الاقتصاد العالمي 1945- 1970 ، ففي ظل هذا الازدهار استفادت هذه البلاد من انتعاش التجارة الدولية وما رافقها من نمو اقتصادي حيث زاد الطلب العالمي علي المواد الأولية التي تصدرها، ولكن مع حلول فترة الثمانينات ، اعتمدت الدول النامية علي النمو المتزايد للنفقات العامة سواء في مجال الانفاق العام الجاري أو الاستثماري- والذي يمكن قياسة بنسبة هذا الانفاق الي الناتج المحلي الاجمالي – مما نتج عنه في المقابل زيادة في حجم ومعدلات الضرائب وإن لم يكن هذا ليسهم في نمو الايرادات السيادية للدولة بالشكل الذي يواكب نمو النفقات العامة ، وبالتالي ظهور عجز بالموازنة العامة للدولة الذي من ثم تم تمويلة عن طريق زيادة حجم الدين العام الداخلي بل واستخدام طريقة التمويل التضخمي مما أدي الي تحويل قدر هام من الموارد والمدخرات المتاحة من القطاع الخاص الي الحكومة والقطاع العام واضعاف حجم الاستثمارات الخاصة المنفذة ،كل ذلك مؤداة ضعف النمو الاقتصادي .

 

2-  السياسات النقدية (طبيعة الأسواق المالية ودرجة تطورها)

بالنظر للدول النامية ، نجد أن الكثير منها تخضع لظاهرة "" الكبح المالي"" Financial Repression   والتي تتمثل في عدم اكتمال أسواق رأس المال بها وخضوعها لعديد من التشوهات مثل تحديد سعر الفائدة اداريا عند مستويات متدنية ، وتدخل السلطات النقدية في عمليات التخصيص المباشر للائتمان، مما ينتج عنة تخفيض حجم الائتمان المتاح للقطاع الخاص ويحد بالتالي من حجم استثماراته .

وبناء علي هذا التحليل ، ظهرت كتابات اقتصادية عديدة تنادي بضرورة تحرير وتعميق الأسواق المالية في الدول النامية Financial Deepening من خلال ازالة كافة القيود المفروضة علي الائتمان وتحرير اسعار الفائدة بهدف تشجيع وتعبئة المدخرات المحلية لتوفير المصادر الملائمة لتمويل الاستثمار بها. وتبنت برامج الاصلاح والتكيف الهيكلي المطبقة في الغالبية العظمي من الدول النامية وجهة النظر السابقة فنادت باتباع سياسات نقدية تعمل علي رفع سعر الفائدة الحقيقي الي قيم موجبة بهدف زيادة حجم الاستثمار من جانب ورفع كفاءته الإنتاجية من جانب آخر.ولقد أوضحت بعض الدراسات التطبيقية التي أجريت علي مجموعة كبيرة من الدول النامية أن رفع سعر الفائدة قد أثر علي قرارات الاستثمار الخاص من خلال آليتين رئيسيتين :

أ‌- رفع التكلفة الحقيقية للاقتراض  من البنوك .

ب‌-      رفع عائد الفرصة البديلة للاحتفاظ بالارباح المحتجزة للمشروعات في شكل ودائع بنكية بدلا من استخدامها في توسيع القاعدة الانتاجية لهذه لمشروعات. وهو ما يعني ارتفاع تكلفة استخدام رأس المال User cost of capital  مما انعكس سلبيا علي حجم ومستوي الاستثمار الخاص بها .

وهكذا نجد أنه توجد علاقة عكسية بين مستويات أسعار الفائدة وقرارات الاستثمار الخاص في حالة الدول النامية تزداد وضوحا بسبب اعتماد المشروعات الخاصة بها علي الاقتراض بشكل أساسي ،علي عكس الدول المتقدمة التي تتوقف فيها الأنشطة الاستثمارية للمشروعات علي التمويل الداخلي من خلال الأرباح المحتجزة من جانب وعلي التمويل من خلال حقوق الملكية (الأسهم) من جانب آخر.وبالتالي أن علاقة الاستثمار الخاص باسعار الفائدة الحقيقية وبحجم الإئتمان المتاح له يصعب تحديد طبيعتها بشكل قاطع في حالة الدول النامية ، مما يتطلب ضرورة دراسة الأوضاع الخاصة بكل دولة علي حدة.

أما فيما يخص سياسات سعر الصرف نجد أن تأثير تخفيض سعر الصرف أو تخفيض قيمة العملة المحلية علي الاستثمار الخاص غير محدد بشكل قاطع ، فمن ناحية قد يترتب علي هذا الاجراء ارتفاع أسعار السلع الداخلة في التجارة الدولية Tradable Goods  (أوسلع التصدير) مقومة بالعملة المحلية مقارنة بأسعار السلع المحلية (غير التجارية) Non-Tradable Goods ومن ثم فان تخفيض قيمة العملة المحلية سيكون له تأثير محفز للاستثمار الخاص  في القطاعات المنتجة للسلع التجارية أو سلع التصدير ، بينما ينخفض الاستثمار الخاص في القطاعات المنتجة للسلع المحلية أو غير التجارية.ولكن من ناحية أخري ، فان الدول –وخصوصا النامية – التي تعتمد بدرجة كبيرة علي السلع الرأسمالية (مثل الآلات والمعدات) المستوردة غير التنافسية لمستلزمات الانتاج، فان تخفيض قيمة العملة المحلية ربما يكون لة تأثير سلبي  علي الاستثمار الخاص من خلال الارتفاع في التكلفة الحقيقية للسلع الرأسمالية المستوردة وبالتالي يقلل من هامش الربح المتحقق.ولا يمكن بالنظر الي هذه الآثار المتشابكة الوصول الي رأي قاطع حول الأثر النهائي لسياسة تخفيض سعر الصرف علي الاستثمار الخاص في الدول النامية ،حيث من المتوقع أن تتباين طبيعة و حدة هذه الأثار وفقا لظروف كل دولة وطبيعة هيكلها الانتاجي ودرجة مرونتة، وكذلك وفقا لمدي مرونة الطلب علي الواردات والصادرات الخاصة بها، وعلي قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية.

 

3- طبيعة العلاقة بين الاستثمار العام والخاص:

من الملاحظ أن الكتابات الإقتصادية التقليدية ظلت لفترة طويلة تؤكد علي وجود علاقة عكسية بين الاستثمار العام والخاص من خلال إفتراض أن الأول يمارس أثرا تزاحميا علي الثاني Crowding Out Effect نتيجة لإستئثارة بجزء كبير من الموارد المحلية المتاحة وما يترتب علي ذلك من رفع أسعار الفائدة بالنسبة لمستثمري القطاع الخاص . وقد ساعد علي تدعيم هذا الرأي إنطباقه علي العديد من الدول المتقدمة.

ولكن الدراسات الحديثة في هذا المجال ، تبنت وجهه نظر مخالفة و أكدت علي وجود علاقة طردية بين كلا من الاستثمار العام والخاص ، حيث يؤدي التوسع في الاستثمارات العامة الي رفع معدل العائد علي الاستثمار الخاص. فالانفاق الاستثماري العام خاصة في مشروعات البنية الأساسية مثل الطرق والموانئ والمطارات ووسائل الإتصال والمرافق العامة يمارس أثرا تكامليا مع الاستثمار الخاص( )  Cowding In Effect وهو ما نتج عنه التأكيد علي ضرورة المزج بين هذين النوعين من الإستثمارات لرفع القدرات الإنتاجية الكلية للاقتصاد في مجملة .

وقد ترتب علي تناقض وجهات النظر السابقة القيام بعدد من الدراسات التطبيقية لاختبار مدي صحة كلا منهما . ولقد أسفرت معظم هذه الدراسات عن وجود علاقة تكاملية بين نوعي الاستثمار خاصة بين الإستثمار العام في البنية الأساسية والاجتماعية والاستثمار الخاص ، ومن ناحية أخري خلصت بعض الدراسات الأخري الي وجود علاقة عكسية بين كلا من معدلات الاستثمار العام والخاص.

ونخلص مما سبق الي استمرار الجدل بين الإقتصاديين حول طبيعة العلاقة بين الإستثمار العام والخاص ، وهو الأمر الذي يستلزم إجراء المزيد من البحوث التطبيقة ودراسة حالة كل دولة علي حدة للتوصل الي طبيعة العلاقة بين هذين المتغيرين بشكل محدد وقاطع.

 

4- التغيرات في حجم الناتج الكلي

تؤكد معظم الدراسات التطبيقية التي احريت علي الدول النامية علي أن التغير في حجم الناتج الكلي يعد أحد المحددات الرئيسية للاستثمار الخاص حيث تؤدي زيادته الي زيادة الادخار ، وبالتالي زيادة الاستثمار الخاص .والواقع أن هذه العلاقة الطردية بين الاستثمار الخاص ونمو الناتج الحقيقي يمكن ارجاعها من الناحية النظرية الي نموذج المعجل المرن""Flexible Accelerator Model"" الذي يفترض في ظل وجود دالة معينة للانتاج وجود علاقة ثابتة بين رصيد رأس المال المرغوب فيه ومستوي الناتج المستهدف. كما أن هذه العلاقة الطردية يمكن تفسيرها من جانب آخر ، بامكانية قيام الدول النامية التي تتميز بارتفاع متوسط دخل الفرد فيها (نتيجة لإرتفاع معدل نمو الناتج ) بتوجية جزء متزايد من مواردها للادخار المحلي مما يسهل من عملية توفير التمويل اللازم للاستثمار الخاص . ولكن من ناحية أخري ، تجدر الأشارة الي أن هذة العلاقة الطردية بين المتغيرين محل الدراسة يحيط بها قدرا من الشكوك ، حيث أن المتغيرات الحادة في حجم الناتج الكلي غالبا ما تكون مؤقتة و من ثم لا ينبغي أن تمارس تأثيرا علي قرارات الاستثمار خاصة وأن هذه الأخيرة هي قرارات مكلفة ومن ثم فإن تعديلها وفقا لصدمات أو تغيرات مؤقتة يبدو بعيدا عن الرشادة الاقتصادية.

وبغض النظر عن التفسيرات النظرية السابقة ، فإن الواقع المشاهد في الدول النامية يشير الي أن الطبيعة الإنكماشية لبرامج التكيف الهيكلي قد أثرت سلبيا في الأجل القصير علي قرارات الاستثمار الخاص نتيجة لما ترتب عليها من تراجع في معدلات نمو الناتج الكلي الحقيقي .ويزيد من قوة هذا التأثير السلبي علي الاستثمار الخاص ، أثر التوقعات Expectations Effect حيث تدفع حالة الركود الاقتصادي بالمستثمرين الي تأجيل قراراتهم الإستثمارية انتظارا لتحسين المناخ الاقتصادي العام . ويترتب علي هذا السلوك تأجيل خروج الاقتصاد المعني من حالة الركود واستمرارة عند مستوي توازني يتصف بانخفاض معدلات الاستثمار بسبب سيادة حالة التشاؤم العام.

 

5- عدم الاستقرار الاقتصادي

من الملاحظ أن المستثمرين المحليين لن يقدموا علي القيام بانفاق استثماري مرتفع في شكل استثمارات ثابت خاصة في ظل ارتفاع درجة عدم اليقين بشأن المناخ الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي مستقبلا. وبعبارة أخري يمكن القول بأن عدم الاستقرار في المناخ الاقتصادي العام ، وعدم القدرة علي التنبؤ بحجم الطلب الكلي المتوقع ، وعدم استقرار نظم الحوافز والاعفاءات المقدمة لرجل الأعمال، فضلا عن عدم التأكد من جدية الدولة علي مواصلة برامج الإصلاح والتكيف الهيكلي تؤثر سلبيا علي استثمارات القطاع الخاص في الدول النامية.

والواقع أن هناك عوامل كثيرة تؤثر في حالة الاستقرار الاقتصادي في الدول النامية من أهمها التغيرات الحادة والغير متوقعة في معدلات التضخم، وكذلك تعد التغيرات في اسعار الفائدة والتي تعتبر مصدرا أخر من مصادر عدم اليقين في الدول النامية وذلك لتأثيرها علي العوائد المستقبلية من أي استثمار.

كما نجد أن ارتفاع عبء المديونية الخارجية للدولة يعد عاملا إضافيا لعدم اليقين بشأن المناخ الاقتصادي العام حيث يترتب علي وجود حجم مرتفع من الدين الخارجي، تراجع معدلات الاستثمار ، فوجود الدين الخارجي الكبير Large debt overhang المتمثل في شكل نسبة مرتفعة للدين الخارجي الي الناتج المحلي الاجمالي ،تقلل العوائد المستقبلية للاستثمار ،لأن نسبة عالية من العوائد المرتقبة Forthcoming Returns يتم استخدامها للوفاء بالدين الكائن .بالاضافة الي أن مدفوعات خدمة الدين تقلل الموارد المحلية المتاحة للاستثمار(وترفع سعر الفائدة المحلي)."


انشء في: ثلاثاء 6 نوفمبر 2012 07:44
Category:
مشاركة عبر