جريمه خيانه الامانه في القانون المقارن

خالد حميدي مفلح الزعبي, ,عين شمس, الحقوق الجنائى ,دكتوراة 2001

 لقد قمنا بتقسيم الرسالة إلى مقدمة تاريخية ، تضمنت هذه المقدمة ثلاثة فصول ، تحدثنا فيها عن التطور التاريخي لجريمة خيانة الأمانة في الشرائع القديمة والسماوية والحديثة . وأتضح لنا أن جريمة خيانة الأمانة كانت تنطوي تحت مفهوم السرقة ، سواء في الشرائع البدائية أو القبلية أو بلاد ما بين النهرين أو قدماء المصريين أو الرومانية ، أو الشرائع السماوي اليهودية أو المسيحية . ولم تعرف كجريمة مستقلة لها كيان ذاتي ، إلا في الشريعة الإسلامية ، حيث أن الشريعة الإسلامية وضعت الحدود الفاصلة بينها وبين السرقة . وهذا يقودنا إلى القول : أن التشريع الفرنسي الصادر سنة 1791 الذي فصل لأول مرة بين جريمة خيانة الأمانة والسرقة ، ليس يرجع إليه الفضل في هذا الفصل ، إنما يرجع الفضل إلى الشريعة الإسلامية في هذا الفصل ، حيث جعلت من جريمة خيانة الأمانة جريمة مستقلة منذ أكثر من إلف وأربعمائة سنة ، ونظمت الشريعة الإسلامية خيانة الأمانة تنظيماً قانونياً محكم وصالح لكن زمان ومكان .

وبخصوص التشريعات الوضعية الحديثة ، فإنها لم تمشي على وتيرة واحدة ، من حيث وضعها لجريمة خيانة الأمانة ، فقد نظر كل تشريع إلى خيانة الأمانة من زوايته الخاصة ، سواء من حيث نوعية التسليم أو الركن المادي أو المعنوي أو أوجه الأمانة .

ثم قمنا بعد ذلك بتقسيم الرسالة إلى باب تمهيدي ، تناولنه قي أربعة فصول ، وتحدثنا في الأول منه ، عن تعريف خيانة الأمانة ، سواء من الناحية اللغوية أو الفقهية أو القضائية أو الفقه الإسلامية . وخلصنا أن الفقه الإسلامية عرف خيانة الأمانة تعريفا شاملا ، سواء من حيث المضمون أو الشكل ، حيث جعل الجريمة صالحه لكل زمان ومكان ، ومهما طرأت على الحياة من متغيرات وظروف . حيث أن الفقه استمد هذا التعريف من القرآن الكريم والسنة الشريفة . بينما الفقه والقضاء الوضعي قد عرف خيانة الأمانة ، وهو متأثر بنص جريمة خيانة الأمانة ذاته ، بمعنى أن الفقه والقضاء عرف الجريمة من الزاوية التي ينظر منها إلى النص القانوني للجريمة والذي يتبعه أو إلى المنهج القانوني الذي نهجه .

وبخصوص الموازنة بين مصطلح خيانة الأمانة والتبديد وإساءة الائتمان ، فإن اغلبيه التشريعات استخدمت مصطلح خيانة الأمانة ، حيث أن هذا المصطلح معبر عن هذه الجريمة ، سواء من حيث المضمون أو الشكل ، كما أكثر اتساعا وانتشارا من المصطلحات الأخرى ، إلى جانب أن الشريعة الإسلامية استخدمت مصطلح خيانة الأمانة . أما مصطلح التبديد ، فيفيد أنه ركن من أركان الجريمة، وليس الجريمة ذاتها ، أما مصطلح إساءة الائتمان ، فهو يعني إساءة الشيء المؤتمن عليه وليس تملكه .

وخصصنا الفصل الثاني لطبيعة خيانة الأمانة ، ورأينا أن خيانة الأمانة تتصف بالخصائص التالية : أنها جريمة مادية ، وقتيه ، عمديه ، موصوفة الفاعل مخلة بالشرف والأخلاق .

وتكلمنا في الفصل الثالث ، عن أوجه التشابه والافتراق بين خيانة الأمانة وجرائم الأموال الأخرى ، السرقة والنصب ، وجرائم غير الأموال ، ومنها اختلاس الأموال العامة والتملك الجنائي وعدم تنفيذ العقود المدنية ، ومن أوجه التشابه بين خيانة الأمانة وجرائم الأموال الأخرى ، أنهما من جرائم الاعتداء على ملكية الغير ، والمصلحة المعتدى عليها ، والغاية ، والركن المعنوي ، ومن أوجه الاختلاف ، نوعية التسليم الواقعة على هذه الجرائم ، والفعل المادي أو الوسيلة التي يتملك بها الجاني الشيء المعتدى عليه ، ثم توقيت ارتكاب الجريمة ، أما أوجه التشابه بين خيانة الأمانة وبين جريمة الاختلاس انهما يقعان على مال منقول مملوك للغير ، وأن يد الجاني في كلاهما يد أمانة ، ومن أوجه الافتراق بينهما صفة الجاني في الجريمة ، وصفة المجني عليه ، وسبب التسليم والمصلحة المعتدى عليها . أما الجريمة الأخرى ، فهي التملك الجنائي ، حيث تتشابه مع خيانة الأمانة بإن محل الجريمة في كلاهما مملوك للغير ، والشيء محل الجريمة موجود سلفا لدى الجاني، وانهما من الجرائم العمدية ، أما أوجه الاختلاف بينهما ، فيتركز في سبب التسليم ، الالتزام بالرد ، وأخيرا الثقة التي وضعها المجني عليه بالجاني .

وأخر هذه الجرائم ، جريمة عدم تنفيذ العقود المدنية ، حيث تتشابه مع خيانة الأمانة ، من حيث أن الجريمتان تقوما على العقود المدنية ، ومن أوجه الاختلاف تتمثل في الركن المادي ، ونية التملك ، والجزاء الجنائي ، حيث أن هذه الأشياء لا تقوم بها جريمة عدم تنفيذ العقود المدنية ، فهي تقوم بإخلال الالتزام بتنفيذ العقد ، وأن الجزاء المترتب على عدم التنفيذ هو جزاء مدني وليس جنائي .

أما بالنسبة للفصل الرابع ، فقد تحدثنا فيه عن المصلحة المحمية في خيانة الأمانة ، ورأينا أن الفقه والقضاء مختلف بشأن هذه الحماية ، فمنهما من اعتبر المصلحة المحمية هي الملكية ، ومنهما من اعتبرها الثقة ، ومنهما من اعتبرها العقود المدنية ، ومنهما من اعتبرها حماية الائتمان، ومنهما من اعتبرها الالتزام بالرد . واتضح لنا أخيراً أن المصلحة المحمية هي الملكية كمصلحة اصليه في خيانة الأمانة والثقة والعقود كمصلحة فرعية .

ثم قمنا بعد ذلك ، بتقسيم الرسالة إلى قسمين ، تضمن القسم الأول منها الشرط المفترض في خيانة الأمانة ، وتضمن القسم الثاني الأركان المؤدية إلى تغير الحيازة إلى كاملة في خيانة الأمانة .

وبخصوص القسم الأول من هذه الرسالة ، وهو الشرط المفترض في خيانة الأمانة ، فقد تضمن ثلاث أبواب . تضمن الباب الأول منه : ماهية التسليم في خيانة الأمانة . ثم قسمنه إلى ثلاث فصول. تحدثنا في الأول منه ، عن الأهمية القانونية للتسليم في خيانة الأمانة . وخلصنا إلى أن التسليم السابق للشيء المعتدى عليه ، هو العنصر المميز لخيانة الأمانة ، وأنه عنصر ضروري وتمهيدي لقيام خيانة الأمانة ، وبدونه لا تقوم العلاقة الائتمانية في خيانة الأمانة .

ثم تكلمنا في الثاني منه ، عن مفهوم التسليم في خيانة الأمانة ، ورأينا أن هذا التسليم يتحقق من خلال نقل الحيازة من المسلم إلى المستلم ، وأن الحيازة عبارة عن سلطة أو سيطرة مادية أو إرادية على الشيء يباشرها الحائز نفسه ، وأن الحيازة في خيانة الأمانة تكون حيازة ناقصة ، وليس حيازة كاملة أو اليد العارضة ، بمعنى أن التسليم الناقل للحيازة الناقصة ، هو عمل قانوني مجرد قوامه نقل شيء من سيطرة شخص إلى سيطرة شخص أخر بنية تغيير الحيازة ، وأن هذا التسليم يقع بين المسلم والمستلم ، أو من نائبهما ، ولا يشترط في هذا التسليم أن يكون صادر من شخص طبيعي ، فيمكن أن يكون صادر من شخص اعتباري ، إلى جانب توافر بعض الشروط في المسلم والمستلم ، منها الأهلية الجنائية … الخ . وهذا يعني أن التسليم في خيانة الأمانة ، يجب أن يكون ناقل للحيازة الناقصة ، وأن يكون سابق على وقوع الجريمة .

كما أن التسليم الناقل للحيازة الناقصة ، قد يكون تسليم مادي ، أي نقل المسلم الشيء الذي يكون في حيازته إلى سيطرة المستلم ، وذلك بمناولة يد بيد ، ثم التسليم الاعتباري الذي يعتبر عمل قانوني يتمثل بتغير النوايا على الشيء دون أن يتعدى ذلك إلى المناولة المادية ، ورأينا أن هذا التسليم في حقيقته تسليم مادي . ثم بعد ذلك التسليم الرمزي ، فهو يعني إعطاء شيء يدل على أنه رمزا لشيء أخر ، هو موضوع التسليم في خيانة الأمانة ، وهو تسليم في حقيقته سليماً من الناحية القانونية . أخيرا هناك يقع تسليم في خيانة الأمانة يطلق عليه التسليم الاضطراري ، وهو الذي يحصل نتيجة ظروف طارئة أو قوة قاهرة ، والذي بموجبه يسلم المسلم الشيء إلى المستلم .ونرى أن هذا التسليم بحقيقته تسليما قانونيا وقع من خلال أراده سليمة ، سواء من المسلم أو المستلم ، وبالتالي تقع بموجبه خيانة الأمانة إذا توفرت بقيت أركان الجريمة .

فيما يتعلق بالفصل الثالث ، فقد تناولنا فيه المشاكل العملية للتسليم في خيانة الأمانة ، وقد ناقشت به بعض المشاكل القانونية والعملية ، التي أثرت خلاف في الفقه والقضاء ولم يجدلها حلول قانونية، ومن هذه المشاكل ، مشكله التسليم الواقع نتيجة الوسائل الاحتيالية والتسليم بشرط التجربة، والتسليم الواقع في البيع بالتقسيط ، والتسليم نتيجة العلاقات الزوجية ، والتسليم الواقع بموجب العمل ، والتسليم الواقع نتيجة البيع نقدا ، والتسليم الواقع من جانب واحد ، والتسليم الواقع من خلال القوى الطبيعية أو الصناعية ، والتسليم القوى من خلال الحاسب الآلي ، والتسليم الواقع من خلال إيصال الأمانة ، والتسليم الواقع نتيجة الغلط .

وانتهينا إلى أن الجريمة المرتكبة في هذه المشاكل ، تختلف حسب التسليم الواقع على الشيء المسلم من المسلم إلى المستلم ، سواء كان هذا التسليم ناقل للحيازة الكاملة أو الناقصة أو اليد العارضة ، وهذا التسليم يحدده إرادة الطرفين المسلم والمستلم الحقيقية ، بحيث إذا كانت الإرادة متجهة إلى نقل الحيازة الناقصة ، فإن الجريمة المرتكبة هي خيانة الأمانة ، إما إذا كانت الإرادة متجهة إلى نقل الحيازة الكاملة ، فإنه لا يوجد إيه جريمة على الإطلاق ، إما إذا كانت الإرادة متجهة إلى نقل اليد العارضة ، فالجريمة هنا السرقة ،إذن الخلاصة هذه المشاكل العملية يحددها إرادة طرفين التسليم من هذا التسليم الواقع على الشيء المسلم .

وفيما يتعلق بالباب الثاني ، فقد خصصنه لموضوع خيانة الأمانة ، وقسمنه إلى أربعة فصول. وتكلمنا في الأول منه عن الشيء المسلم من حيث أن يكون مالا . وتعرضنا لموقف القانون المدني والجنائي من المال بوجه عام ، ورأينا مدى وجهة نظر كل من القانونين ونظرتهما إلى المال. ثم استعرضنا موقف الفقه الإسلامي من المال ، ثم بينا مدى صلاحية الإنسان أو جثته لأن يكون مالا ، ورأينا أن الإنسان لا يمكن أن يكون مالا ، وبالتالي أن يكون موضوع لخيانة الأمانة ، وإن كان هذا لا يمنع من إن تكون جثته مالا ، وبالتالي إن تكون موضوعا لخيانة الأمانة . ثم قمنا بالتفريق بين المال المثلي والقيمي في موضوع خيانة الأمانة .

وبالنسبة للفصل الثاني ، فقد تناولنا فيه ، موضوع خيانة الأمانة ، من حيث أن يكون منقولا، بمعنى الشيء الذي يمكن نقله من مكان لمكان دون أن يحصل له شيء ، من حيث التلف أو الهلاك. ورأينا أن العقار يستعصي على هذه الجريمة ، وإن هذا لا يمنع من وقوع خيانة الأمانة على العقار بطريقة غير مباشرة .

وبخصوص الفصل الثالث ، فقد تكلمنا فيه عن موضوع خيانة الأمانة ، من حيث أن يكون ذو طبيعة مادية ، بمعنى يمكن لمسه وحساسة ورؤيته وحيازته ونقله ، وهذا بعني أن الأشياء المعنوية تخرج من إطار خيانة الأمانة ، على أساس أن الشيء المعنوي لا يمكن لمسه وحيازتة ونقله .

أما من حيث الفصل الرابع ، فقد تحدثنا فيه عن وقوع خيانة الأمانة على ملكية الغير ، وهذا الشرط يعتبر شرط أساسي في خيانة الأمانة ، حيث أن جرائم الأموال تقع اعتداء على ملكية الغير، بحيث إذا كان الشي ملك الجاني ، فإن خيانة الأمانة لا تقع لافتقاد شرط الملكية . أما بخصوص مشروعيه الغير للشيء ، رأينا يجب أن يكون سليما من الناحية القانونية .

وبخصوص الباب الثالث من هذا القسم ، فقد تناولتا فيه أوجه التسليم الحيازة الناقصة في خيانة الأمانة ، وقسمنه إلى ثلاث فصول . تكلمنا في الأول منه ، عن موقف القوانين الجنائية والشريعة الإسلامية من المراكز الائتمانية ، ورأينا أن هذه القوانين لم تمشي على وتيرة واحدة من حيث أوجه الأمانة ، أو الأسباب المؤدية إلى قيام العلاقة الائتمانية ، فهناك قوانين تحصر أوجه الأمانة بأوجه معينة ، وهناك قوانين أطلقت أوجه الأمانة ، بحيث أي سبب يؤدي إلى قيام العلاقة الائتمانية ، فإن خيانة الأمانة تقوم بحق الجاني إذا تملك الشيء المؤتمن عليه ، وهناك من القوانين من نهج أسلوب الحصر وعدم الحصر لأوجه الأمانة ، بمعنى أنها ذكرت بعض أوجه ، ثم أطلقت أوجه الأمانة ، بحيث أي سبب يؤدي إلى قيام العلاقة الائتمانية ، فإن خيانة الأمانة تقوم به . أما عن موقف الشريعة الإسلامية من أوجه الأمانة ، فيعتبر موقفا يحتذى به ، حيث جعل أي سبب يؤدي إلى قيام العلاقة الائتمانية ، فهو وجه من أوجه الأمانة ، بالإضافة إلى ذكره بعض أوجه الأمانة على سبيل المثال ، مثل الوديعة ، الوكالة ، الإيجار … الخ ، إلى جانب وجه اللقطة .

وبالنسبة للفصل الثاني ، فقد تناولنا فيه الدراسة التاصيلية والتحليلية للمراكز الائتمانية في خيانة الأمانة . ورأينا أن العلاقة الائتمانية يمكن أن تقوم على العقود الائتمانية أو نص القانون أو حكم القضاء أو صفة المستلم أو علاقته المختلفة مع الآخرين أو اللقطة ، اتضح لنا من خلال الدراسة أن العلاقة الائتمانية القائمة على العقود الائتمانية ، قد تكون بناء على عقود ائتمانية غايتها الاحتفاظ بالشيء المؤتمن عليه ، مثل عقد الوديعة ، الرهن ، أو غايتها الانتفاع بالشيء ، سواء كان هذا الانتفاع باجرا وبدون اجر ، مثل عقد الإيجار وعارية الاستعمال ، أو تكون غايتها إدارة الشيء المؤتمن عليه ، مثل عقد الوكالة ، أو تكون غايتها القيام بعمل مادي ، مثل عقد المقاولة والنقل والعمل وهناك يعض العقود الائتمانية تكون مستقلة بذاته وغير تابعة للعقود الائتمانية الأخرى ، حيث أن هذه العقود تعتبر ناقله للحيازة الناقصة ، ومثال هذه العقود ، عقد الشركة ، الصرف ، المسلم ، الصيانة ، الحراسة ، المضاربة ، المزارعة ، المساقاة . المهم أن العلاقة الائتمانية القائمة على العقود الائتمانية تعتبر من ضمن الأسباب المؤدية إلى قيام خيانة الأمانة إذا حول الحائز للشيء من حيازة ناقصة إلى كاملة .

ثم تطرقنا بعد ذلك إلى العلاقة الائتمانية القائمة على نص القانون أو حكم القضاء ، بمعنى أن نص القانون أو حكم القضاء يكون هو المنشئ للعلاقة الائتمانية بين المسلم والمستلم ، ثم تناولنا العلاقة الائتمانية القائمة على صفة المستلم ، ومن هذه الصفات ، صفة المحامي كاتب العدل ، منفد الوصية أو عقد الزواج ، مدير جميعه خيريه ، الدللال ، صاحب المستودع ناظر الوقف … الخ ، فهذه الصفات جعلت أو دفعت المسلم إلى تسليم الشيء إلى المستلم على سبيل الأمانة . انتهينا إلى الصفات وإن كانت هي التي دفعت المسلم إلى تسليم الشيء إلى المستلم ، لكنها ليست السبب المنشئ للعلاقة الائتمانية ، فقد يكون السبب العقد الائتمانية أو نص القانون أو حكم القضاء .

ثم بعد ذلك تطرقنا إلى العلاقة الائتمانية القائمة العلاقات المختلفة ، مثل علاقة القرابة والمساكنه والضيافة .

وفيما يتعلق بالعلاقة الائتمانية القائمة على اللقطة ، وجدنا أن الفقه الإسلامي يعتبر اللقطة وجه من أوجه الأمانة التي تقوم بها خيانة الأمانة . اما القوانين الجنائية الوضعية ، فقد اختلف بشأنها ، حيث هناك بعض القوانين من جعل منها جريمة سرقة ، ومنها من إلحاقها بجرائم خيانة الأمانة ، وانتهينا إلى أنها من جرائم الملحقة بخيانة الأمانة ، على أساس هناك عنصر مفقود هو عنصر التسليم من جانب المسلم .

وأخيراً ناقشنا مشكلة الموظف العام ، ومدى اعتباره من الأسباب المؤدية إلى قيام العلاقة الائتمانية، وخلصنا أن لا يمكن اعتبار الموظف العام وجه من اوجه الأمانة ، لأن الموظف يتسلم الاشياء بمقتضى وظيفته لحساب الدوله ، حيث أن علاقته بالدوله علاقة تنظيميه وليس تعاقديه ، إلى جانب أن الوظيفة هي السبب بالتسليم ، وأن المعتدى عليه هي الوظيفة العامة وليس العلاقة الائتمانية.

وبالنسبة للأحكام العامة للمراكز الائتمانية ، رأينا أن العبرة بتكييف العلاقة الائتمانية ، هي بحقيقة الواقع ، وليس على ما اتفق عليه طرفي هذه العلاقة ، إلى جانب أن الاستبدال يجب أن يكون سابقا على وقوع الجريمة ، بالإضافة إلى عدم وجود بعض الدفوع القانونية .

أما القسم الثاني من هذه الرسالة ، فقد تناولنا فيه الأركان المؤدية إلى تغير الحيازة من ناقصة إلى كاملة بنيت تملك الشيء المؤتمن عليه . وقد ضمنتة أربع أبواب ، تكلمنا فيها عن الركن المادي والمعنى والمشاكل والعقوبة المترتبة على تغير الحيازة .

وفيما يتعلق بالباب الأول ، وهو متعلق بالركن المادي لتغير الحيازة من ناقصة إلى كاملة ، وإعلان الأمين أنه مالك الشيء المؤتمن عليه ، من خلال بعض المظاهر الخارجية أو السلطات التي يمارسها على الشيء الذي تملكه .

وقد استعرضنا في هذا الباب الفرق بين تغير الحيازة وتوسع نطاقها في مجال خيانة الأمانة، حيث رأينا أن المقصود بتغير الحيازة تملك الشيء عليه ، أما توسيع نطاقها فيقصد استمرار الحيازة دون تملك الشيء وتغير الحيازة إلى كاملة . ثم بعد ذلك تطرقنا إلى فكرة الحيازة الذاتية ، حيث يقصد بهذه الفكرة تغير الحيازة إلى كاملة والظهور على الشيء بمظهر المالك ، ثم بعد ذلك تناولنا مدي اشتراط دخول الحيازة في حالة تحويلها إلى حيازة جديدة ، ورأينا أن تغير الحيازة في خيانة الأمانة عملية نفسية تتفاعل بها الماديات مع النفسيات ، ليكون تغير الحيازة من ناقصة إلى كاملة والظهور على الشيء بمظهر المالك .

وقد رأينا أن جميع التشريعات الجنائية لم تمشي على وتيرة واحدة ، من حيث صور تغيير الحيازة من ناقصة إلى كاملة ، فهناك بعض القوانين استخدمت أسلوب وحدانية السلوك المادي في خيانة الأمانة ، بمعنى أنها تذكر صورة واحدة لتحويل الحيازة من ناقصة إلى كاملة ، وهناك من استخدام أسلوب تعداد صور تغيير الحيازة من ناقصة إلى كاملة ، حيث لم تكتفي بصورة واحدة لهذا التغير ، ومع ذلك فالنتيجة واحدة ، هي تملك الشيء .

ثم تعرضنا بعد ذلك لمفهوم تغير الحيازة ، سواء في خيانة الأمانة أوالسرقة أو النصب وأتضح لنا أن تغيير في خيانة الأمانة ، يعتبر ظاهرة نفسية تتفاعل مع الماديات ، وبالتالي تملك الجاني الشيء المؤتمن عليه .

ثم بعد ذلك استعرضنا الأفعال المادية في خيانة الأمانة التي لا تؤدي إلى تغيير الحيازة من ناقصة إلى كاملة ، وذلك لافتقادها الظاهرة النفسية في تملك الشيء المؤتمن عليه ، وغاية هذه الأفعال أنها تقوم على أسباب إباحة ، ومن هذه الأفعال التاخر والإهمال … الخ .

ثم بعد ذلك قدمنا صور السلوك المادي في خيانة الأمانة التي تؤدي إلى تغيير الحيازة من ناقصة إلى كاملة ، هناك صور عديدة لهذا السلوك الذي يحول الحيازة ، فهناك أفعال تؤدي إلى الاحتفاظ بالشيء بنية تملكه ، وهناك أفعال تؤدي إلى إخراج الشيء من حيازة الجاني ، وأفعال تؤدي إلى استعمال الشيء بنية التملك ، وأفعال مادية تؤدي إلى تدمير الشيء المؤتمن عليه وحرمان صاحبة منه ، وهناك أفعال تؤدي إلى تبديل الشيء المؤتمن عليه .. الخ . المهم أن هذه الأفعال تؤدي إلى تغيير الحيازة من ناقصة إلى كاملة بنية تملك الشيء وحرمان صاحبه منه إلى الأبد، ومع ذلك نرى أنه بمجرد ان غير الأمين الحيازة من ناقصة إلى كاملة ، أنه تملك الشيء ، وبالتالي وقعت جريمة خيانة الأمانة ، أي كان الفعل الذي تم فيه تغيير الحيازة ، المهم أن يكون التزام بعدم رد الشيء المؤتمن عليه .

وأخيراً تعرضنا للحظة تقدير وقت تغيير الحيازة من ناقصة إلى كاملة ، ورأينا أن من الصعوبة في بعض المسائل اكتشاف هذا التغيير ، وخاصة إذا كان موضوع الشيء المؤتمن عليه ، شيئا مثليا .

ثم تطرقنا في الفصل الثاني من هذا الباب إلى الضرر الذي يصيب المجني عليه من جراء تغيير الحيازة من ناقصة إلى كاملة . واتضح لنا أن الضرر غير النتيجة الإجرامية ، حيث أن الضرر لا مكان له في خيانة الأمانة ، على أساس أنه يتعلق بالجانب المدني أكثر منه من الجانب الجنائي ، فهو يعني أصابه الجاني بخسارة وتفويت عليه المكسب ، من جراء فعل الأمين من تغيير الحيازة . أما النتيجة الإجرامية ، فهي الضلع الثاني في مرحلة الركن المادي لتغيير الحيازة من ناقصة إلى كامله ، حيث أن النتيجة الإجرامية تعني إظهار الفعل المادي الذي أدى إلى تغيير الحيازة ، إلى حيز الوجود ، وبدون هذه النتيجة لا يظهر هذا التغيير للحيازة في خيانة الأمانة ، والنتيجة الإجرامية في مجال خيانة الأمانة متمثلة في تملك الأمين الشيء المؤتمن عليه .

أما في الفصل الثالث ، فقد تناولنا فيه العلاقة السببية في خيانة الأمانة ، أي العلاقة التي تربط بين تغيير الحيازة في خيانة الأمانة وبين نتيجة هذا التغيير ، بحيث إذا لم يؤدي هذا التغيير إلى النتيجة الإجرامية ، وهي تملك الأمين الشيء المؤتمن عليه ، فإن خيانة الأمانة في هذه الحالة تعتبر غير قائمة ، على أساس أن تغيير الحيازة لم يؤدي إلى النتيجة المطلوبة وهي تملك المؤتمن عليه .

اما بخصوص الباب الثاني ، فقد خصصنه للركن المعنوي لتغير الحيازة في خيانة الأمانة . فالقصد الجاني في خيانة الأمانة يعتبر من المسائل الدقيقة ، وهي بهذا الشأن تختلف عن الجرائم الأموال الأخرى ، على أساس أن الشيء موجود سلفا تحت يد الجاني ، وبالتالي هناك صعوبة في اكتشاف لحظة ارتكاب الجريمة ، كذلك فإن الركن المادي يختلط مع الركن المعنوي في هذه الجريمة .

وبناء عليه، فإن الخطأ الصادر من الأمين لا مكان له في القصد الجنائي في خيانة الأمانة على أساس أن إرادة الأمين لم تتجة إلى تملك الشيء المؤتمن عليه ، فهنا الإرادة تعتبر منتفيه ، ثم رأينا أن نية التملك هي النية التي يعتمد عليها القصد الجنائي في خيانة الأمانة . حيث أن هذه النية تؤكد تملك الأمين الشيء المؤتمن عليه ، أما نية الانتفاع أو الاستعمال فأنهما لا يؤديان إلى توافر القصد الجنائي في خيانة الأمانة ، لأن الأمين لا ينوي تملك الشيء ، كما أن هذه النية لا فرق في توافرها سواء كان المال موضوع الجريمة مثليا أو قيميا ، كذلك لا مكان للقصد الاحتمالي في خيانة الأمانة ، وذلك من خلال أن يتوقع الأمين أنه بفعله سوف يسبب ضرر بمجني عليه ، وعله ذلك أن نية الجاني اتجهت إلى التملك الشيء المؤتمن عليه .

الخلاصة من هذا الركن المعنوي لتغيير الحيازة في خيانة الأمانة ، أن مستقل عن الركن المادي ، وذلك لأن القواعد العامة تفصل الركن المادي عن المعنوي ، إلى جانب أن الركن المعنوي سابق على الركن المادي ، وإن كان الركن المعنوي في خيانة الأمانة يذوب مع الركن المادي في تحقيق الجريمة ، مما أدى إلى القول أن الركن المادي والمعنوي في خيانة الأمانة واحد ، لكن المدقق للجريمة يلاحظ أن نية تغير الحيازة من ناقصة إلى كاملة ، تكون سابقا أو معاصرة للفعل المادي .

إلى جانب أن القصد الجاني المتطلب في خيانة الأمانة ، هو القصد العام ، لأن هذا القصد يضم عنصري العلم والإرادة من حيث أن الجاني أن المستلم يعلم أن الشيء موجود لديه على سبيل الأمانة ، وأن أرادته اتجهت إلى تملك الشيء وحرمان منه ، أما تفسير أن نية التملك ، هي نيه خاصة ، وأنها من خلالها يحقق خيانة الأمانة، فهي من صنع الفقه والقضاء . ونرى أن عنصر الإرادة هو العنصر الأساسي في خيانة الأمانة أو في الجريمة بشكل عام ، لأن الإرادة تفترض ضمنا أن العلم متوفر لدى الجاني سلفا ، إلى جانب أن الجاني لا يمكن أن تتجه إرادته إلى ارتكاب الفعل المادي وتحقيق النتيجة الإجرامية دون العلم السابق في ماهية فعله .

أما الباب الثالث ، فقد تناولنا فيه بعض المشاكل القانونية في تغيير الحيازة من ناقصة إلى كاملة . حيث تناولنا في الفصل الأول منه الشروع في تغير الحيازة في خيانة الأمانة حيث خلصنا إلى نتيجة مفادها ، أن الشروع لا مكان له في خيانة الأمانة ، على أساس أن تغيير الحيازة من ناقصة إلى كاملة في خيانة الأمانة عملية نفسية ، وبالتالي فإن الفعل المادي يتحقق من خلال هذه العملية النفسية ، ومن تم لا يتصور أن يصادف هذا التنفيذ أي مشاكل في طريقة نحو ارتكاب الجريمة .

أما الفصل الثاني فقد خصصنه للمساهمة الجنائية في خيانة الأمانة ، ومدى تصور وجود المساهمة الجنائية في خيانة الأمانة ،وخلصنا إلى انه يمكن تصور الاشتراك في خيانة الأمانة ، وذلك بتحريض الأمين على تغيير الحيازة من ناقصة إلى كاملة أو تقديم المساعدة في تغيير هذه الحيازة .

أما الباب الرابع ، فقد تناولنا فيه العقوبة المترتبة على تغيير الحيازة من ناقصة إلى كاملة بنية تملك الشيء . وانتهينا أن الشريعة الإسلامية هي النموذج المثالي الذي يحتذى به من حيث تطبيق العقوبة على خائن الأمانة ، حيث نوعت في هذه العقوبة ، سواء السالية للحرية ، أو المالية ، أو أو التكميلية . وبعكس التشريعات الوضعية التي لم تستقر على عقوبة مناسبة للأمين في خيانة الأمانة. فهناك من التشريعات من خفف العقوبة وهناك من شددها ، هناك من اكتفى بالغرامة أو الحبس أو الأثنان معا ، وهناك من أضاف إلى جانب العقوبة الأصلية التبعيه والتكميلية

ثانيا

النتائج الرئيسية التي توصلنها إليها

من خلال دراستنا لجريمة خيانة الأمانة ، توصلنا لبعض النتائج ، نرى فيها أنها تعتبر قواعد عامه في خيانة الأمانة ، ومن هذه النتائج ما يلي :-

1- أن الحيازة المتطلبة في خيانة الأمانة ، هي التي تكون ناقله للحيازة الناقصة ، وليس الحيازة الكاملة أو اليد العارضة، حيث أن هذا النوع من الحيازة غايته أن يوضع الشيء تحت سيطرة المستلم الفعلية ، دون ان يتعدى ذلك إلى الملكية . كما ان الحيازة الناقصة يستفاد منها ، أن يبقى الشيء عند الحائز لفترة زمنية مؤقتة ، سواء كانت هذه الفترة طويلة أو قصيرة ، وأن تكون غاية هذه الحيازة في النهاية هي الالتزام بالرد للشيء المسلم إلى المستلم .

2- التسليم السابق للشيء المسلم ، هو العنصر أو الشرط المفترض في خيانة الأمانة ، من حيث أن يكون الشيء موجود سلفا لدى الأمين قبل ارتكاب فعله المادي المصحوب مع الركن المعنوي.

3- أن العلاقة الائتمانية في خيانة الأمانة تقوم على غاية هذه العلاقة وليس سببها ، فأية غاية تكون الهدف منها نقل الحيازة الناقصة ، تصلح لأن تكون سببا تقوم به خيانة الأمانة .

4- أن خيانة الأمانة تقوم من خلال عدم رد الشيء المؤتمن عليه ، وذلك بتحويل الحيازة من ناقصة إلى كاملة ، أي كانت الصورة التي يتم فيه هذا التحويل ، وهذا يعني أن جوهر قيام خيانة الأمانة يتمثل في عدم رد الأمين الشيء المؤتمن عليه .

5- أن خيانة الأمانة تتميز عن الجرائم الأخرى ، من أنها تقوم من خلال الظاهر النفسية التي تتفاعل بها الماديات مع النفسيات ، من خلال هذه الظاهرة الخفية ، التي من الصعوبة اكتشافها إلا من خلال المظاهر الخارجية ، التي تعلن أن الأمين تملك الشيء وضمه إلى ملكه .

6- العلاقات الائتمانية في خيانة الأمانة تقتصر على العلاقات الخاصة بين الأفراد ، دون أن تتعدها إلى العلاقات الوظيفية أو الحكومية .

ثالثا

التوصيات والاقتراحات

1- نناشد المشرع المصري والأردني التدخل إلى تغير نص جريمة خيانة الأمانة ، لأنه لم يصبح يناسب تطورات الحياة الاجتماعية والاقتصادي ، إلى جانب أنه مر عليه زمن طويل دون تعديل، مما ترتب عليه عدم مجاراته للتطورات القانونية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية .

2- عدم حصر أوجه الأمانة بأوجه معينة ، على أساس أن العلاقة الائتمانية قد تقوم على أسباب متعددة لا يمكن حصرها ، وكل هذه الأسباب أو العلاقات ناقله للحيازة الناقصة ، أي مؤدية إلى قيام خيانة الأمانة . ونرى أن النص المثل هو النص الكويتي لجريمة خيانة الأمانة ، من حيث حصره لبعض أوجه الأمانة ، ثم أطلق سبب الأمانة لأي سبب يصلح أن ينقل الحيازة الناقصة إلى الأمين .

3- ونرى يجب على المشرع أن يترك للقاضي سلطة تقديريه في تكيفى بعض العلاقات الائتمانية ، على أساس أن هناك بعض العلاقات تحددها ظروف العلاقة بين المسلم والمستلم ، وهي بحاجة إلى تحميص وتروي يستطع القاضي تكيفى العلاقة على حقيقتها . كذلك ذلك تحت مراقبة محكمة النقض .

4- تشديد العقوبة في بعض العلاقات الائتمانية ، على أساس أن هذه العلاقات يضع فيها المسلم ثقته بالمستلم .

5- حرمان الخائن للأمانة من بعض الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية ، على أساس أن جريمة خيانة الأمانة تختلف عن جرائم الأموال الأخري ، أن الشيء موضوع الجريمة مسلم سلفا إلى الأمين بناء على الثقه المتبادلة بينه وبين المسلم ، مما يؤدي إلى عدم الثقة به مرة آخر .

6- فرض بعض التدابير الاحترازية على الخائن للأمانة ، سواء من حيث مراقبة الشرطة أو منعه من قيامة ببعض الأعمال أو غيرها من التدابير الاحترازية أو الوقائية ، حيث أن مثل هذه التدابير تحد من نشاطه الإجرامي .

7- جعل عقوبة الغرامة وجوبيه على الخائن للأمانة ، إلى جانب تشديدها ، بحيث لا تقل قيمتها عن نصف المبلغ المعتدى عليه .

8- ونرى أنه يجب على السلطة القضائية والإدارية بعد النطق بالحكم على الخائن ، أن تقوم بإعلان هذا الحكم في الصحف اليومية والمحاكم


 


انشء في: ثلاثاء 10 فبراير 2015 17:16
Category:
مشاركة عبر