دستورية القضاء العسكري بين الإطـلاق والتقييـد
عمر علي نجم القاهــرةالقاهــرة الحقـوق القانون العام دكتوراه 2006
إذا كان مبدأ الفصل بين السلطات يعتبر أحد دعائم الدولة القانونية المعاصرة، وبمقتضاه توزع وظائف الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية على سلطات ثلاث متميزة، حيث تستقل كل سلطة منها في أداء وظيفتها، فإن هذا الاستقلال لايمكن أن يكون مطلقاً وإنما على العكس نسبياً يسمح بوجود بعض مظاهر التعاون بين هذه السلطات. غير أن الفصل المطلق بين سلطة الدولة المدنية وجهازها العسكري، وخضوع هذا الجهاز _ شأنه شأن كل أجهزة الدولة – لهيمنة السلطة المدنية، يعد _في تقديرنا_ حجر الأساس في الدولة الديمقراطية. وذلك بحسبان أن جهاز الدولة العسكري المتمثل في قواتها المسلحة ليس سلطة حكم، وإنما جهاز من أجهزة السلطة التنفيذية التي تشارك في الحكم مع السلطتين التشريعية والقضائية، وهذا هو المعنى الذي يتسق مع مقتضيات الشرعية الدستورية.
ولاريب في أن للحياة المدنية من الخصائص والمقومات مايخرجها من طائلة النظام العسكري، كما أن النظام العسكري _ بما يفرضه من واجبات الطاعة والخضوع الكامل لأوامر السلطة العسكرية والالتزام بالتدرج الرئاسي الصارم_ لايأتلف مع الحياة المدنية التي تقوم أساساً على المناقشة وإبداء الرأي واختلاف وجهات النظر وحق النقد، وليس على تلقي الأوامر وتنفيذها. ومن ثم فإن الأصول الدستورية والقانونية السليمة تقتضي بأن يكون لكل من السلطتين المدنية والعسكرية فلكها الذي تدور فيه، وأن تكون الحياة المدنية هي الأصل، وأن يكون النظام العسكري هو الاستثناء الذي ينبغي أن يكون محصوراً في أضيق الحدود، من حيث تحديد صفة من يخضعون له ومدى هذا الخضوع.
وإذا كان مبدأ الفصل بين السلطات قد تفرع عنه مبدأ آخر يتمثل في عدم التدخل في شئون العدالة، فإن تطبيق هذا المبدأ على العلاقة بين السلطتين التشريعية والقضائية، يقتضي من المشرع أن يقتصر دوره على إنشاء جهات القضاء وتحديد اختصاصاتها، وبيان الإجراءات المتبعة أمامها ووضع القواعد الموضوعية التي تطبقها، دون التدخل في الفصل في القضايا المطروحة أمام المحاكم، بالتأثير على القضاة لكي يصدروا أحكامهم على نحو معين، وذلك ضماناً لاستقلال القضاء وحياده."
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة