إشكالية التحديث عند رفاعة الطهطاوى

محمد إبراهيم معوض أبو المعاطي , ,عين شمس ,الآداب ,الاجتمــــــاع ,الماجستير 2004

يعتبر رفاعة الطهطاوي (1801-1873) رائد من رواد التنوير الذين سيحاولون بدرجة أو بأخرى أن يجمعوا بين الثقافة العربية والإسلامية ، وبين أفكار الغرب ومناهج تقدمه الفكري والثقافي . وإذا كانت النقلة الكبرى التي تحققت لرفاعة الطهطاوي من الفكر التقليدي إلى الفكر والثقافة الغربية ، وإذا كانت هذه النقلة قد بدأت جنيناً من خلال أستاذه حسن العطار أحد الدارسين العظام في عصره ، إلا أن المصدر الأساسي لهذه النقلة كان تعيينه إماماً للبعثة التعليمية التي أرسلها محمد علي لباريس (1826 – 1831م) ورغم أنه أرسل كإمام وليس كطالب بعثه إلا أنه انغمس في الدراسة وحقق لنفسه معرفة دقيقة في اللغة الفرنسية ، غير أنه ما يوازي ذكره في الأهمية هو مراقبته لنظم الحياة والسلوك في المجتمع الفرنسي ومظاهر الحياة فيه ، ثم أودع هذا كله في كتابه " تخليص الإبريز في تلخيص باريز " ولخص فيه الثقافة الأوربية ، ولم يكن إعجاب الطهطاوي بما شاهده من مظاهر الحضارة الغربية بلا تحفظات ، قد سجل نقده وتحفظاته لأخلاق وعلاقات الفرنسيين الاجتماعية ، وعلى المستوى الفكري احتفظ الطهطاوي لنفسه بحرية النظرة العقلية ، فلم تكن أفكاره التي تعلمها مجرد انعكاس بسيط لما قرأه ، بل كان يجمع بينهما وبين أفكاره التقليدية وهكذا لم يكن إعجاب الطهطاوي وتأثره بما رآه في فرنسا انقطاعاً عن ثقافته الأصلية أو تجاهلاً لمسيرة العرب الحضارية ، ولذلك جاءت أفكار الطهطاوي نتيجة للسياق الاجتماعي والتاريخي الذي كانت تمر به مصر والأمة العربية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر .

ويتسم الطهطاوي بشمولية النظرة والإحاطة بالظواهر الاجتماعية والسياسية من مختلف جوانبها مما جعل فكره شديد الارتباط بالواقع ثم المزج بين التراث الاسلامي والتعرف على العلوم الحديثة . وقد نجح الطهطاوي في شرح أفكاره من خلال عرضها ضمن سياقها التاريخي ، ولم تتوقف أفكاره عند الاستعراض النظري لمختلف قضايا الفكر لكنه عرض لبرنامج التحديث السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، حيث طالب فيه بالتفريق بين الأخوة في الوطن والأخوة في الدين ، كما نادى بتنمية روح المواطنة ، كما بحث عن العدالة الاجتماعية وعالج كل قضايا المجتمع مثل شكل النظام السياسي والأوضاع الاقتصادية وأصول التربية وضرورة تدريس السياسة .

وجاءت أفكار الطهطاوي مستندة على ثنائية العلم والدين ، وتمثل مجالات المرأة والسياسة والتربية والتعليم والبحث العلمي أهم مداخل النهضة والإصلاح في فكر الطهطاوي .

ويمثل الطهطاوي المبادرة الأولى في عصر النهضة في علاقة الحضارة الغربية بالحضارة العربية ، فلم تأت نظرته على الدهشة بالآخر ، ولكنها جاءت على أساس من الفهم والتسامح ، فليس هناك من يمتلك الحقيقة وحده فما أحوجنا إلى هذه الرؤية اليوم في عالم ينادي بصراع الحضارات .


 


انشء في: خميس 19 فبراير 2015 14:35
Category:
مشاركة عبر